الاثنين، 17 سبتمبر 2018

صدور ديوان (سنديانة الأشواق) للشاعر زيد الطهراوي



وأنت تقرأ عوالم هذا الاسم، على امتداد خريطة إبداعية، يبدو فيها وفيا للكتابة العروضية، اللهم ما لوّنته روح التجريبية في بعض المحطّات عبر مناوبات على النظم التفعيلية، تليها في درجة التعاطي استعمالات مقلّة لقصيدة النثر، وهو ديدن لدى صاحبنا يغبّ التمظهرين الأخيرين لمصلحة الممارسة الخليلية كما أشرنا، ويمنحها الهيمنة على ما عداها من الأجناس في المنجز زيد الطهراوي برمّته، استفتاحا بالباكورة "هتاف أنفاس" الموقّع سنة 2013، مرورا بواسطة العقد "سكوت" 2016، فآخر العنقود الديوان الصادر مطلع العام الجاري باسم "سنديانة الأشواق" وما ينطوي عليه من أسرار ومعدلات صعبة تغوص في ظلمة الذات والحياة.

قامة، بمعيتها يلبس المتلقّي الحنين إلى أمجاد ديوان العرب، بحيث تجابه قصائد رافلة بمعاني حياة ثانية موازية، ليس بالمقدور صوغها على النحو الذي تجدّف به ريشة زيد الطهراوي ضمن حدود خريطة تقطع أو تكاد، الطريق على المفردات القشيبة، لتلوذ بسائر ما من شأنه أن يسعف بابتكار لغة جديدة ويفتح آفاقاً مغايرة للمعنى الذي بإمكانه ترجمة مقاربات ألصق بروتوشات معجم اليومي ونثاره، وأقدر على بلورة أفكار تنبثق من رحم التحوّلات والتقلّبات الملمّة بواقع قضايا العروبة الكبرى وما يواكبها من هزّات ومسخ لمعضلات عالمية هي وقف بالضرورة على ثنائية التأثير والتأثر، بما الفعل ـــ أخيرا ـــ جناية آدمية مقصودة وجريمة نكراء تهدف إلى اغتيال الأنبل والأشهى والنضر في إنسانية كائن بائس يحاول مواصلة النضال ضد تجاوزات مجانين الألفية، وهم ينتصرون لكمون البهيمية فيهم ونعرة تأليه الماديات، على حساب روح آخذة في الذبول والتسليم بفصوله المطفأة نتيجة زمهرير الاغتراب، مضاعفا وعلى نحو يشوه المنظومة المفاهيمية الغامزة ببراءة الانتماء، مثلما يسوّق لثقافة الوطن المنفى، وإن غازل بطوباوية حضارة إنسانية تتشدّق بكونية تخطّي الألوان والأعراق والمعتقدات والألسن، والحقيقة أنها تظل وهمية ومزعومة يفنّدها راهن ما النوع البشري يسلكه مؤذنا بمسرح النهايات الكارثية وزحف مشهدية الانقراض. 


تحاصرك تجربة هذا الشاعر، صورة وإيقاعا ورؤية، بصدقية المناولة المبطّنة بوصايا المرحلية البعدية الأقصى توغلا في تلافيف الذاكرة، ليس العربية فقط، بل والإنسانية أيضا، فهو لا يتغاضى عن بثّ حيوات الرموز على اختلاف جنسياتهم وهوياتهم، قسطا يسكب سيرهم وإبداعهم. في نصوص زيد الطهراوي، ما يجعل نظير هذه التجربة مرتعاً لذائقة تترصّد فلتات التشرّب والنهل من ميتافيزيقيا المشترك، وعقليات تنزع صوب الغذاء الايديولوجي المترع بنورانية الشخصية والتشخصن، لدى سدنة الزعامة وعمالقة التاريخ ومن على شاكلتهم ممن نقشوا أسماءهم في سجلات الخلود. 


وإذا ما تأمّلنا شعر هذه القامة، وجدناه مدغدغا بتوليفة العقدي والإنساني، تماما كما أسلفت في العديد من المناسبات التي أغدق عليّ فيها رسم أنامل تشتعل من رماد الأحجية، لا يعق صاحبها غصن القول الشعري المنذور لأصول ديوان العرب وأبجدياته، لكن وفق خطوط متضوّعة بالأريحية الإبداعية بمعزل عن الصنعة أو التكلّف الجائر على المعنى لحساب النظم المشوّه المردود، وإنما ترنّم بمعاني الحياة الموازية لراهن موبوء تبكي الذات الشاعرة دمويته ووحشيته وعنجهيته ومهزوزيته، وإن تبث الإيقاع بمعية زيد الطهراوي، في التفاتات وتنويعات تشاكس بجنسي التفعيلي والمنثور.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق