بينَ
بينَ روحٍ و جسد
هلامُ حلمٍ محمومٍ،
رعشةُ انتفاضة
زغبُ طائرٍ،
مقصلة.
بينَ حرفٍ و عرفٍ
ثلاثة أرباع تفاحةٍ ،
عينان مفقوءتان ،
يدٌ تتحسسُ النورَ ،
ثقبٌ أسودُ،
نهايةٌ مسدودة ،
عزفٌ صامتٌ ،
بينَ حبٍ و حرب
بقيةٌ من “وطن” ،
شيطانٌ ،
تابوتٌ عتيقٌ ،
دمٌ،
ألسنةٌ تلعق الرصيفَ ،
ماءُ وجهٍ مُراق،
قلبٌ معاقٌ ،
مخاضٌ ،
جذعُ بندقيةٍ ،
رصاصةٌ طائشة..
بينَ آتٍ و ماضٍ
موميات ،
أوراقٌ مهترئةٌ ،
حوتٌ أزرقُ،
نهايةٌ ملغومةٌ ،
زيفٌ،
نبيٌ بلا معجزات،
زمكانيةُ واقعٍ مخجل.
،بينَ أولاد عم
وطنٌ لم يعد سائغًا،
حنجرةٌ جافة ..
،،،
*أمين الملحاني*
……………
★★( بين) هذا النص السوريالي
اعتمد الكاتب على البنية الذهنية؛ حيث شطّ وابتعد كثيرًا عن السرد السطحي
تمرّد فيه الكاتبُ عن الهشاشة الإنشائية واستخدم الخيال الخصب الذي قام على المتناقضات مما خلق نصًّا لا زمانيًا تحرّر من دولاب الزمان والمكان فلم يربطه بمكان أو زمان معين
فنراه يتحرّك نحو الواقع النسبي عبر النص وعبر الجسد معًا
فمن الوهلة الأولى ومن العنوان تدحرجًا إلى آخر كلمة نستشف اللون الرمادي الذي يظهر به جليًا هذا النص؛ حيث إنّ الكاتب منح خصائص هذا اللون المستوحى من العنوان (بين) وبدأ يغزل حروفه بخيوط هذا اللون الذي طغى على روح الكاتب فجعلها كأرجوحة معلّقة في الهواء يقلّبها صخب الواقع وسكون الموت بكل خرابه وبومه المشؤوم والذي ينمو كطحالب فوق كل ألوان الضوء و اشتعال الحلم
فنجد الكاتب قد حشد رموز يسارية قاتمة اللون توحي بالموت كــ ( جسد ، هلام، مقصلة ، ثلاثة أرباع ، عينان مفقوءة ، ثقب أسود ، آدم دون ضلع ، نهاية مسدودة ، شيطان ، ألسنة تلعق الرصيف ، قلب معاق ، جذع بندقية ، رصاصة طائشة ، موميات ، زيف ، أوراق مهترئة ، نبي بلا معجزات ، حنجرة جافة ) وتمثّل كل هذه الرموز رموز الضد الذي طغى على لون الحياة وهي رموز ينتهي إليها الحدث الذي بدى بالغليان وثورة انفعالية تمثّل صخب اللون اليميني وهدوء الروح الّتي تتوق للسلام والحب ويوحي بخصائصها الرموز ( روح ، وطن ، حب ، آت ، حرف ، عرف ) وبالمنتصف يتحرك الكاتب بجسده وبطبقات روحه التي استشفت الواقع وصيرورته
فعند تتبعنا للنص بين رموز الضدين نشعر بالدوار ونحن نسقط من العلو إلى التشظي ونستشعر أن ما حدث للتوّ هو نفسه الّذي سيحدث في الزمن البعيد وهو نفسه ما حدث منذ القدم
هكذا توحي رمزية الكاتب وتبثّ في نفس القارئ متتالية التشظّي منذ القدم وتستمرّ إلى الزمن البعيد
تتجلّى تراجيدية الكاتب وكذلك تشاؤمه
بالمقارنة بين متسلسلات الرموز التي أوردها من حيث الكم ومن حيث الإسناد والمزاوجة بين رمز الحياة والموت و الّذي يوحي بتلاشي مساحات الأمل وعلى سبيل المثال
/ هلام حلم / ثم تابع / حلم محموم/
نجد الكاتب في العبارة الأولى يوحي لنا يقينًا أن حلم الضوء الذي يراود روحه ويتأرجح بين صلابة الجسد المرئي وشفافية الروح اللا مرئية
بأنه مجرد هلام لا يستطيع الصمود أمام كل الانكسارات التي تشعر بها روحه وهذا يدلّل على انهزامية كبيرة تسكن ذات الكاتب وتتسرّب إلى القارئ عبر أيقونة الحروف الممتلئة بروح الشاعر المنهزمة بفعل الواقع المتشظي ويزيد تأكيد هذا وصفه للحلم بأنه محموم مما يدل على انكسار الحلم أمام سياط الواقع
2 / آدم دون ضلع /
يتضح لنا من خلال العبارة كيف أن الكاتب يشعر بالعجز عن تغيير دفة الواقع التي تسير بعجلة مهرولة نحو الموت والخراب
و نستطيع بالفعل أن نسقط هذه العبارة على كلّ من يعيش بين قبضة الواقع الجلاد ومما يدلل على هذا الاتجاه والاستنطاق للرمز
أيضا عبارة / قلب معاق / هذه العبارة التي توحي بالانهزامية والعجز معا
في المقطع قبل الأخير يصل بنا الشاعر إلى ذروة اليأس بقوله
/ نبي بلا معجزات / فهو هنا يقضي على كل حبال الأمل التي يمكن أن تكون نوعا من الخلاص
بعد اصطدامه بحوائط الحيلولة بين التطلع والوصول
/ يدٌ تتحسسُ النورَ ،
ثقبٌ أسودٌ ،
نهايةٌ مسدودة ،/
كلمة يد و التي وردت بصيغة المفرد في المقطع الثاني توحي لنا بمحاولة ضيئلة مقارنة بهول الكارثة التي تحيط بواقع الشاعر ووطنه
ومن هنا ولضحالة هذه المحاولة اليتيمة والتي تتكرّر كل يوم بصور منفصلة عن بعضها البعض وصل الشاعر إلى ذروة اليأس
فالضوء يتشتت بين أفواه تثرثر دون أن يكون هناك حركة موج لهذا الهدير وبين العرف الذي تتكسر عنده الكثير من زجاجات القول
/بينَ حرفٍ و عرفٍ
ثلاثة أرباع تفاحةٍ /
يبقى الربع الرابع مفقود وهذا يدلل على عدم اكتمال الحياة بالصورة التي يريدها الكاتب
/بينَ حبٍ و حرب
بقيةٌ من “وطن” ،
شيطانٌ ،
تابوتٌ عتيقٌ ،
دمٌ،
ألسنةٌ تلعق الرصيفَ ،
ماءُ وجهٍ مُراق،
قلبٌ معاقٌ ،
مخاضٌ ،
جذعُ بندقيةٍ ،
رصاصةٌ طائشة /
في المسافة الممتدة
بين انحدارنا من علوّ الحبّ والسلام إلى فوّهات الحرب
واقع عبثي فوضوي كارثي تمرغت به الكرامة / ألسنة تلعق الرصيف /وانهدر الدم بسبب طيش وعبثية هذه الحروب
وما زالت النهاية لم تتضح بعد ما زالت تتمخض فربما تكون اكثر سوداوية
/ مخاض جذع بندقية رصاصة طائشة /
****
،/ بينَ أولاد عم
وطنٌ لم يعد سائغاً،
حنجرةٌ جافة ./.
بهذه العبارات التي توحي بعبثية الحرب وأنها لم تكن بين حق وباطل لم تكن لأجل الحرية لم تكن لأجل الدين
إنما ضاعت الأوطان بين نفس الدم والعرف والعرق والدين
وهنا تتجلّى العبثية الّتي تحرّك خيوطها أيدٍ بعيدة
هذه العبث ذهب بالشعوب إلى الجفاف والانهيار بسبب جفاف الشعور الذي أدّى إلى كل هذا العبث
.***** الخلاصة ******
نص سوريالي قديم حديث نص الماضي الحاضر الآتي المتجدد المستمرّ باستمرار الإنسان
أوغل الشاعر فيه واختزل أحداثه بمهارة وحس فني عالٍ باستخدام الرموز المنطوقة وأخرى مشفّرة
تتعدّد دلالاتها لكنّها تصبّ في نفس المصبّ السوداويّ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق