مغيرة حربية صحيفة السياسي
خلّف الحظر والتباعُد البدني الذي دام أربعة أشهر في السودان، خلّف وحشة وخراباً في الدور والمراكز الثقافية والمكتبات العامة والخاصة، واختفى الورّاقون عن طرقات المدن، انقطعت الندوات والأمسيات الأدبية، وطال الصمت خشبة المسرح وغاليريهات التشكيل وكل الفعاليات الأخرى. فكيف يرى المنشغلون بالثقافة وصناعها العودة بعد جائحة كوفيد 19؟
يقول الشاعر ابراهيم الرحال، إنَّ الأزمات، لطبيعتها، من النادر توقع حدوثها، لذلك هي تترك أثراً تكيفياً طارئاً على حياة البشر الاجتماعية، ويتجلى هذا الأثر في ميكانيكيات المواكبة الثقافية ضد تأثيرات تلك الأزمات الفجائية غير المتوقعة.
ويضيف: “تظّل نواتج الأزمة التي تجتاح مجتمعاً معيناً باقية بشكلٍ دائمٍ، لأنها تتغلغل في عمق المنتوج الثقافي للمجتمع، على سبيل المثال رأينا كيف تحوّلت ثقافة ما قبل الحرب Perwar Ragtime، حيث كان يسود نوع من الغناء الوجداني الاحتجاجي، ليتحوّل هذا الضرب من الغناء لغناء وطني Patriotic Odes وعرفناه فيما بعد بغناء الجاز. وكان كل ذلك التحوُّل بسبب كارثة الحرب الفجائية التي ألقت بظلالها على الحركة الثقافية وأثّرت في منتوجاتها بشكلٍ واضحٍ وجلي. ولكن الأزمات الشخصيّة والأحداث المفاجئة مثل الجوائح الوبائية فإنها تشكّل مرحلة حرجة من حياة الفرد، حيث يتم خلالها انقطاع مفاجئ للطرق العادية للتعامل مع العالم؛ بما في ذلك الفعل الإبداعي! فمثلاً أنا كشاعر كل ما أنتجه لا يعدو أن يكون مجرد عناصر إبداعية كامنة في النصوص والكتابات، لا تكتمل لتكون عنصراً ثقافياً قائماً إلا بدرجة مناسبة من (المثاقفة)، أي وجود الصّلة الطبيعية مع الجمهور!، وبسبب هذه الجائحة الوبائية الماثلة؛ يتعّذر هذا الشرط المهم لاكتمال الفعل الإبداعي، رغم أننا كنا محظوظين بتطور الوسائط وما أتاحته لنا من بدائل مثل (البث المباشر) الذي أبلى كثيراً في تلك الفترة الحرجة التي أثّرت على طبيعية الحراك الثقافي وأعاقت صيرورته”.
باشري - الحياة الثقافية بعد الجائحة
الاصمعي باشري
ويرى الشاعر الأصمعي باشري أن الجائحة المرعبة فرضت عزلة غير مسبوقة على العالم، وأفرزت تداعياتها أوضاعاً صعبة، بطبيعة الحال، على الإصعدة كافة يقول: “إنه أمر مخيف، وليس استثناء المشتغلين في الثقافة وفعالياتها، فقد أصابت الجائحة العمل على أرض الواقع بالخراب والعزلة. توقف كل شيء، أغلقت دور الثقافة أبوابها، وعلق الغبار أرفف المكتبات العامة، وتأجلت، كل الحوارات والندوات الثقافية والفكرية ومهرجانات المسرح والسينما إلى أجل غير مسمى. في السودان كان الأمر مزدوجاً، فالسودان الخارج للتوِّ من جائحة نظام قمعي استمرت ثلاثة عقود، كان للثقافة ودورها والمنشغلين بها نصيب الأسد من النفي والمنع والمصادرة، فحققت النشاطات الثقافية نجاحاً منقطع النظير في المقاومة والنضال، الآن تستمر المواجهة مع عدو آخر خفي وغادر وفتّاك، بيد أن الفعل الثقافي المقاوم من الندوات والمؤتمرات والمهرجانات واصل دوره وان اختلفت الوسائط، لجأ المتهمون للحوارات والبث الرقمي وعلى قلته فقد سد هوة كبيرة من الانقطاع النهائي، وفي ظني أنها ستتواصل حتى نهاية الجائحة، وستعود الحيوية أكثر على أرض الواقع، ربما، ربّ ضارة نافعة، وستبقى الجائحة وأثرها مادة خصبة للفعاليات القادمة، ستفتح المراكز والمسرح لجمهورها ليشاهدوا ويستمعوا ويطالعوا ما اختزنته ذاكرة المبدعين من زمن العزلة المفروضة”.
سعد عثمان - الحياة الثقافية بعد الجائحة
القاص سعد عثمان
ويتأسى القاص سعد عثمان ببيتي صديق مدثر وإدريس جماع الشعريين “إن تكن انت بعيد في الثري فخيال شعري يرتاد الثريا” و”أنت السماء بدت لنا واستعصمت بالبعد عنا” قبل أن يضيف: “كما هو معروف، نشاط الدور المسرحية والندوات والغاليريهات يأتي من حقيقة وقيمة المنتج الإبداعي. كما أن الجمهور المبدع هو أيضاً بدوره ينتظر ما يجعله يتقافز من هول الطفرات الإبداعية. ويزعجه التكرار للأشكال المنتجة.
التي لا أعرف ماهيتها، الروح او الدم هي التي تتحلق فضاءاتها الحرة ملتهمة من مزارع الجمال السماوية، النضر من ثمارها الحية، ويحاول العقل التقاط ما يُمكن التقاطه من فمها او معدتها لا يهم وصياغة ذلك في خلاصة المنتج الذي يصل الناس”.
يواصل: “استشهاداً بالشاعرين أعلاه، الأول يصل الى مبتغاه عبر خيال الشاعر الخصب وذاكرته الحاضرة، إذ تظل متلازمة الخيال والذاكرة أرض إبداعه الخصبة، وتبقى قيمة وجمال المنتج رهينة بقوة وذكاء التأمل، ربما هو في الحوجة الى الهدوء وليس المكان شرطاً. يمكن القول بأن ما التقطته الذاكرة من الخارج هو أساس الإبداع.
النوع الآخر من المنتج رهين بالمحسوس والمرئي والتفاعل، وكمحفز يصيب الدواخل ويسبر أغوارها.
استشهدت بإدريس جماع، الملتقط، المتألم.. المرتبك والساهي عن العالم الخارجي”.
يواصل: “فترة الجائحة غلب عليها اختفاء المبدع الظاهري خلف الموت والألم، يشاهد كل هذا خائفاً هو الاخر على نفسه وأحبائه ربما على الكرة الارضية جمعاء.. لكن يظل المنتوج الخفي عليه هو أيضاً، مثل الجني داخل القنينة منتظراً اياد هادئة تغتح عليه أبواب السماء لينطلق عاتياً جباراً ومخيفاً أيضاً.. أعتقد أننا في انتظار هذا الجني الذي لم نر مثله من قبل، شكلاً وقوة ورعباً.. هذا ما ننتظره عقب وربما أثناء الجائحة الفتاكة”.
الرحال 169x300 - الحياة الثقافية بعد الجائحة
ابراهيم الرحال
ويختم ابراهيم رحال: “توقفت الحياة الثقافية بشدة في كل مجالاتها، لكن نعود ونأمل في أن تنته هذه الأزمة الطارئة ولا نكون مجبورين على التعاطي مع حالة الإغلاق الماثلة هذه لوقت أطول، لأن التوقعات بزوال هذه الجائحة كلياً وانفتاح الناس على حياتهم الطبيعية حالياً غير قوية، ولكن نعّول على قدرة المثقفين على مواكبة هذا الوضع الطارئ وإبتكار وسائل ذكيّة تضمن اتصال حركتنا الثقافية وديمومة تفاعلها وانفعالها مع حركة الحياة في أي وضع وأي ظرف”.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق